متابعات _ مدين ياسر
صورة admin adminيناير 9, 2026
ظهور مفاجئ ل علي عثمان محمد طه رجل الدولة المثير للجدل في السودان
متابعات _ السودان الان بلس
يُعد علي عثمان محمد طه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا وتعقيدًا في المشهد السياسي السوداني منذ أواخر القرن العشرين. فقد جمع بين النفوذ السياسي، والقدرة التنظيمية، والمهارة التفاوضية، ما جعله لاعبًا رئيسيًا في صناعة القرار داخل نظام الإنقاذ، وأحد رموزه الأبرز داخليًا وخارجيًا.
أولًا: النشأة والتكوين الفكري
وُلد علي عثمان محمد طه في السودان ونشأ في بيئة متدينة، وتلقى تعليمه الجامعي في القانون، الأمر الذي انعكس لاحقًا على أسلوبه السياسي القائم على الحجج القانونية واللغة الهادئة. التحق مبكرًا بالحركة الإسلامية السودانية، وتأثر بالفكر الإسلامي السياسي الذي كان يقوده الدكتور حسن الترابي، ليصبح من تلاميذه المقربين ومن كوادر الصف الأول.
ثانيًا: الصعود داخل الحركة الإسلامية
برز علي عثمان داخل التنظيم الإسلامي كسياسي منظم وهادئ، بعكس الخطاب الثوري الحاد الذي عُرف به بعض القيادات. هذه الصفات جعلته خيارًا مناسبًا لتولي الملفات المعقدة التي تتطلب دهاءً سياسيًا وقدرة على المناورة. وبعد انقلاب 30 يونيو 1989، أصبح من الدائرة الضيقة التي أدارت الدولة من خلف الكواليس في السنوات الأولى.
ثالثًا: دوره في السلطة التنفيذية
تقلد عدة مناصب سيادية، أهمها:
وزير الخارجية
النائب الأول لرئيس الجمهورية
وخلال هذه الفترة، كان يُنظر إليه بوصفه العقل السياسي للنظام، والمسؤول عن إدارة علاقات السودان الخارجية في واحدة من أكثر مراحله عزلة وضغطًا دوليًا. تميز أسلوبه بالدبلوماسية الهادئة، والسعي لتخفيف حدة الصدام مع المجتمع الدولي دون تقديم تنازلات تمس جوهر النظام.
رابعًا: اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا)
يُعتبر ملف السلام أبرز محطات علي عثمان محمد طه السياسية. فقد قاد المفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي أفضت إلى اتفاقية نيفاشا عام 2005، منهيةً حربًا أهلية استمرت أكثر من عقدين.
أنصاره يرون فيه مهندس السلام الذي أوقف نزيف الدم.
منتقدوه يعتبرون الاتفاقية تسوية ناقصة أدت في النهاية إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.
ورغم الجدل، يُجمع كثير من المراقبين على أن علي عثمان أدار التفاوض باحترافية عالية في ظرف إقليمي ودولي بالغ التعقيد.
خامسًا: المفاصلة مع الترابي
كان لعلي عثمان دور أساسي في الصراع داخل الحركة الإسلامية الذي انتهى بما عُرف بـ«المفاصلة» عام 1999، حين انقسم الإسلاميون بين جناح السلطة بقيادة البشير وعلي عثمان، وجناح المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي. هذه المرحلة رسخت نفوذ علي عثمان داخل الدولة، لكنها أضعفت المشروع الإسلامي سياسيًا وأخلاقيًا في نظر كثيرين.
سادسًا: الانتقادات والاتهامات
رغم صورته الهادئة، وُجهت إليه انتقادات حادة تتعلق بـ:
مسؤوليته السياسية عن انتهاكات حقوق الإنسان
ترسيخ نظام الحكم الشمولي
إضعاف الحياة الحزبية والديمقراطية
إدارة ملفات الحرب والسلام بمنطق مصلحي لا وطني شامل
ويرى خصومه أنه كان صانع القرار الفعلي في كثير من القضايا المفصلية، حتى وإن لم يكن في الواجهة.
سابعًا: خروجه من المشهد السياسي
في السنوات الأخيرة من حكم البشير، تراجع نفوذ علي عثمان تدريجيًا، ثم غاب عن المشهد العام بعد سقوط النظام في 2019. ورغم ذلك، لا يزال اسمه حاضرًا في النقاشات السياسية بوصفه أحد رموز الدولة العميقة وتجربة الحكم الإسلامي في السودان.
خلاصة تحليلية
علي عثمان محمد طه ليس مجرد مسؤول سابق، بل ظاهرة سياسية تجسد تجربة كاملة من الحكم الأيديولوجي في السودان. هو رجل تفاوض بذكاء، وحكم بنفوذ، وغادر السلطة محمّلاً بإرث ثقيل من الجدل والانقسام.
عند أنصاره: رجل دولة براغماتي أنقذ البلاد من الانهيار في لحظات حرجة.
عند معارضيه: أحد أبرز المسؤولين عن ضياع فرص التحول الديمقراطي ووحدة البلاد.
ويبقى تقييمه النهائي مرهونًا بقراءة شاملة لتجربة الإنقاذ نفسها، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات.
تعليقات
إرسال تعليق